فصل: مسألة ما جاء في أبي عبيدة بن الجراح:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة المحرم بالحج يصيب امرأته:

في المحرم بالحج يصيب امرأته وحدثني عن ابن شهاب عن عبد الله بن عباس أنه قال في رجل أصاب امرأته وهو محرم بالحج: إنهما ينفدان لوجههما ثم يحجان من قابل وعليهما الهدي.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن عباس هذا أنه لا يفرق بينهما في بقية حجهما هذا الذي أفسداه ولا في حج قابل، خلاف ما ذهب إليه مالك من أنهما إذا أحرما بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما فلم يجتمعا في منزل ولا مسير على ما روي عن علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب، والوجه في ذلك مخافة أن يكون اجتماعهما ذريعة إلى إفساد حجهما الثاني.
ومن أهل العلم من قال إنه يفرق بينهما من حين أفسد حجهما إلى عام قابل، وإنما يفسد حجهما بإجماع إذا وطئ ما بينه وبين أن يقف بعرفة.
واختلف إن وطئ بعد أن وقف بعرفة وقبل أن يرمي جمرة العقبة فقيل قد أفسد حجه وهو قول مالك في موطئه، وقيل عليه عمرة وهدي وحج تام، روى أبو المصعب، وابن أبي حازم عن مالك إلى أنه رجع إلى هذا القول، وقال أبو المصعب: إن كان وطؤه بعد طلوع الفجر من ليلة النحر فعليه العمرة والهدي، وإن كان وطؤه قبل طلوع الفجر من ليلة النحر فقد أفسد حجه.
وأما إن وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل أن يطوف طواف الإفاضة فحجه تام، وعليه عمرة وهدي قولا واحدا وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة الأجراس في أعناق الإبل والدواب:

في كراهية الأجراس في أعناق الإبل والدواب وحدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم بن عبد الله أنه مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال لهم سالم: إن هذا ينهى عنه، فقالوا له: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا صغير فليس به بأس، فسكت سالم.
قال: وسألت مالكا عن الأكرياء يجعلون الأجراس في الحمير والإبل التي تحمل القرط وغيره فقال: ما جاء في هذا إلا الحديث الواحد، وتركه أحب إلي من غير تحريم له.
قال محمد بن رشد: يريد بالحديث الواحد والله أعلم الحديث الذي ذكره بعد هذا من أن الملائكة لا تصحب عيرا وقد تقدم الكلام على هذا قبل هذا في أول رسم فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة الخلاخل للنساء في أرجلهن:

في الخلاخل للنساء في أرجلهن وسئل مالك عما يكون في أرجل النساء من الخلاخل، قال: ما هذا الذي جاء فيه الحديث، وتركه أحب إلي من غير تحريم له.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة والله أعلم أن مالكا إنما سئل عما يجعله النساء في أرجلهن من الخلاخل وهن إذا مشين بها سمعت قعقعتها فرأى ترك ذلك أحب إليه من غير تحريم؛ لأن الذي يحرم عليهن إنما هو ما جاء النهي فيه من أن يقصدن إلى إسماع ذلك وإظهاره من زينتهن لمن يخطرن عليه من الرجال: قال الله عز وجل: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] ومن هذا المعنى ما روي من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية» والله الموفق.

.مسألة العير التي فيها الجرس:

ما جاء في العير التي فيها الجرس وحدثني مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله عن أبي الجراح مولى أم حبيبة أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: «العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة».
قال محمد بن رشد: هذا هو الحديث الذي أشار إليه مالك في المسألة التي قبل هذه المسألة والله أعلم، وهو حديث خرج الترمذي من رواية أبي هريرة عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس ولا كلب» أو كما قال، وبالله التوفيق.

.مسألة الصلاة إلى المصحف:

في كراهة الصلاة إلى المصحف وإلى قبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال مالك: أكره أن يوضع المصحف في القبلة ليصلى إليه.
قال مالك: وإنما بنى عمر بن عبد العزيز القبر هذا البناء حين كان الناس يصلون إليه وجعلوه مصلى، فأنا أكره أن يجعل المصحف في القبلة ليصلى إليه، ولا أحب ذلك، وأما إن كان موضعه أو ذلك الموضع أحفظ له أو معلق له ليس يجعل لمكان الصلاة إليه فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: أما الصلاة إلى قبر النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فهو محظور لا يجوز، لما جاء عن النبي. عَلَيْهِ السَّلَامُ من قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فبناه عمر بن عبد العزيز محددا على هيئته لا يمكن من صلى إلى القبلة استقباله. وأما المصحف فكره القصد بالصلاة إليه على ما قاله في هذه الرواية، ومثله في المدونة سواء؛ لأن ذلك بدعة وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة لباس الثوب المعصفر بالزعفران:

في لباس الثوب المعصفر بالزعفران قال مالك: رأيت ابن هرمز يلبس المعصفر بالزعفران.
قال محمد بن رشد: اختلف السلف في لباس الثوب المعصفر والمزعفر للرجال، فأجازه جماعة ولم يروا به بأسا، منهم عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل الشقيق بن مسلمة، وزر بن حبيش، وعلي بن حسين، ونافع بن جبير بن مطعم وقال محمد بن سيرين: كان المعصفر لباس العرب ولا أعلم شيئا هدمه في الإسلام، وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة، ونحوه لمالك في موطئه، قال في الملاحف المعصفرة في البيوت للرجال وفي الأفنية: لا أعلم من ذلك شيئا حراما، وغير ذلك من اللباس أحب إلي.
وكره بعض العراقيين المعصفر والمزعفر للرجل لما روي عن أنس بن مالك من «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كره أن يتزعفر الرجل» ولما روي عن عبد الله بن عمرو قال رآني النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وعلي ثوب معصفر فقال: «ألقها فإنها ثياب الكفار» ولما روي «عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داخر فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ما هذا؟ فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته، فقال: ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء» وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة ما جاء من أن كل شيء إذا تم نقص:

فيما جاء من أن كل شيء إذا تم نقص قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نزل بالأبطح فنظر إلى القمر في ليلة البدر، فقال: إن كل شيء إذا تم نقص، وإن هذا القمر قد تم فهو ينقص بعد هذه الليلة، وإني لأرى الإسلام إلا وقد تم وإني لأراه الآن سينقص.
قال محمد بن رشد: فكان الأمر في الإسلام على ما قاله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا زال ينقص إلى يومنا، وهو بعد في نقص كما سبق في أم الكتاب أسأل الله العصمة برحمته.

.مسألة الأمر بإتقان العمل:

في الأمر بإتقان العمل وحدثني العتبي عن سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: «إن الله يحب إذا عمل العبد عملا أن يحسنه أو أن يتقنه».
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين والحمد لله وبه التوفيق.

.مسألة التكبير في أيام منى:

في التكبير في أيام منى وقال مالك في حديث عمر في التكبير في أيام منى بعد زوال الشمس، فإذا كبر تلك الساعة خمر الناس الأمتعة لرمي الجمار.
قال محمد بن رشد: قوله في حديث عمر يريد حديثه الذي ذكره في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئا فكبر فكبر الناس بتكبيره ثم خرج حين زاغت الشمس فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت فيعرف أن عمر قد خرج يرمي.
وقول مالك في تفسير الحديث فإذا كبر تلك الساعة خمر الناس الأمتعة لرمي الجمار، يريد أن أهل منى الحجاج كانوا إذا كبر عمر بعد زوال الشمس علموا أنه قد خرج يرمي فخرجوا هم ليرموا مؤتمين في ذلك به وتركوا أمتعتهم في منازلهم التي كانوا نزلوها، وجمعوها في موضع واحد وخمروها أي غطوها بالأكسية وشبهها حرزا لها في حين مغيبهم عنها.
وقوله في الحديث فكبر فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ليس معناه أنه كان يكبر تلك الساعة ليتصل التكبير حتى يبلغ البيت، وإنما هو إخبار بأن تكبير الناس بتكبيره كان يتصل حين يبلغ البيت وإن كان لم يكبر هو ذلك، وإنما كثر تلك الساعة ليعلم بوقت الرمي وأنه خرج ليرمي ليخرج من كان حاجا إلى الرمي، وكان يكبر إذا ارتفع النهار شيئا وبعد ذلك إذا ارتفع النهار ويكبر الناس بتكبيره لقول الله عز وجل: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] وقد روي أنه كان يكبر في قبته بمنى فيكبر أهل المسجد ويكبر أهل الأسواق فترتج منى تكبيرا وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة منع الرجل جاره أن يغرز خشبه في جداره:

.مسألة في الأمر بأن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبه في جداره: وسئل مالك عن الحديث في الخشبة في حائط جاره، فقال مالك: ما أرى محمله إلا على وجه الأمر فيه من النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ على وجه المعروف، وأما أن يقضى به فلا أرى بذلك بأسا.

قال محمد بن رشد: الحديث الذي سئل عنه مالك هو حديثه في الموطإ، عن ابن شهاب عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره»، وهذا معلوم من مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ أن ذلك من النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ على الحض والندب وفعل معروف بجاره، لا على الوجوب والإلزام، وابن كنانة يحمله على الوجوب ويقضي به للجار على جاره، وقول مالك أظهر لأن النهي إنما يحمل على التحريم أو الوجوب إذا لم تقترن به قرينة تدل على أن المراد به الكراهية أو الندب، ومن الدليل على أن المراد به كراهة المنع والندب إلى الإذن هو أنه إذن في حق الإذن لأن الحائط ماله وملكه وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس»، وهذا عموم فلا يخصص منه غرز الخشب في الجدار إلا بيقين في النهي عن المنع؛ لأن النهي قد يراد به الكراهة، وقد يراد به التحريم، ولو كان من حق الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره لقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس للجار أن يمنع جاره خشبة يغرزها في جداره، ولما قال «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» إذ ليس من حق الكلام أن يقال للرجل فيما يفعله لغيره لا تفعله إلا فيما له أن يفعله به، ألا ترى أنك تقول للرجل: لا تضرب عبدك، إذ له أن يضربه، ولا تقل له: ولا تضرب أباك إذ ليس له أن يضربه، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ففهم من قوله كراهة المنع لا تحريمه، إذ لو كان المنع حراما لكان من حق الزوجة أن تخرج إلى المسجد دون إذن زوجها شاء أو أبى، وقد كانت زوجة عمر بن الخطاب تستأذنه في الخروج إلى المسجد فيسكت، فتقول والله لأخرجن إلا أن تمنعني فلا يمنعها، وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطل بالخطرة التي لا تملك:

في ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطل بالخطرة التي لا تملك وحدثني أبو عبد الله العتبي عن عيسى بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني أن «معاذ بن جبل قال: يا رسول الله: إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل، فمنهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابا، فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة؟ فقال: يا معاذ بن جبل، من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة».
قال محمد بن رشد: هذا حديث فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله لله وعلى ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع في القلب ولا تملك، على ما قاله مالك، خلاف ما ذهب إليه ربيعة، وذلك أنهما سئلا عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوق، فأنكر ذلك ربيعة من سؤال السائل ولم يعجبه أن يحب أحد أن يرى في شيء من أعمال الخير.
وقال مالك: إذا كان أول ذلك وأصله لله فلا بأس به إن شاء الله قال عز وجل: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: 39] وقال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء: 84] وقال عمر بن الخطاب لابنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا إذ اخبره بما كان وقع في قلبه من أن الشجرة التي مثلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرجل المسلم وسأل أصحابه عنها فوقعوا في شجر البوادي، هي النخلة، قال مالك: فأي شيء هذا إلا هذا وإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك، وذلك من وسوسة الشيطان ليمنعه من العمل، فمن وجد ذلك فلا يشغله عن التمادي عن فعل الخير ولا يؤيسه من فعل الخير، وليدفع الشيطان من نفسه ما استطاع ويجرد النية لله، فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء الله روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «تجاوز الله لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو يعمل به يد».
وهذا الحديث يروى عما حدثت به أنفسها بالنصب وعما حدثت به أنفسها بالرفع، والصحيح في المعنى رواية من روى أنفسها بالنصب، والمعنى في ذلك أن الله تجاوز لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم عما حدثت به أنفسها ما يقصد منها إلى ذلك واكتساب له؛ لأن التجاوز إنما يكون فيما لو لم يتجاوز عنه لأخذوا به وأما ما حدثت به أنفسها من الخطرات الغالبة لهم التي لم يكن منهم فيها اكتساب لها ولا قصد إليها فليسوا بمؤاخذين بها، قال عز وجل: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وبالله التوفيق.

.كتاب الجامع السادس:

.التأكيد في الخروج إلى الصلاة:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب الجامع السادس ومن كتاب القبلة في التأكيد في الخروج إلى الصلاة وحدثني العتبي عن عيسى بن دينار قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى سليمان بن أبي خيثمة فوجده راقدا فقال: أشهدت الصلاة؟ قال: كنت أشتكي، ولولا رسولك جاءني ما خرجت، فقال عمر: إن كنت خارجا لدعوة أحد فاخرج إلى الصلاة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأن إجابة الداعي إلى الصلاة بقوله: حي على الصلاة حي على الصلاة في أذانه للصلاة آكد من إجابة داعي الأمير لشيء من أمور الدنيا. وبالله التوفيق.

.مسألة النصيحة من الدين:

ومن كتاب شك في طوافه في أن النصيحة من الدين:
قال ابن القاسم قال مالك ورفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
قال محمد بن رشد: قوله الدين النصيحة معناه عماد الدين النصيحة، خرج مخرج واسأل القرية، يريد أهل القرية، لأن حقيقة الدين إنما هو الإسلام والإيمان، قال عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19] {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. والنصيحة لله هي القيام بفرائضه، والتزام أوامره واجتناب زواجره؛ والنصيحة لكتابه هو تأويله على ما تأوله عليه أهل الحق من سلف المسلمين، وترك ما صار إليه من التأويل أهل الزيغ من الملحدين؛ والنصيحة لرسوله في حياته بذل الجهد في طاعته ونصرته، وبعد وفاته القيام بإحياء سنته والتزام ما شرعه لأمته، والنصيحة لأئمة المسلمين التزام الطاعة لهم وحضهم على الخير وتحذيرهم مما سواه، والنصيحة لعامة المسلمين هو أن يريهم المراشد في أمور دينهم ودنياهم.

.مسألة كراهة ترك العمل في يوم الجمعة:

في كراهة ترك العمل في يوم الجمعة قال مالك: كان بعض أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرهون أن يترك يوم الجمعة العمل لئلا يصنعوا فيه كما فعلت اليهود والنصارى في السبت والأحد.
قال محمد بن رشد: هذا لما روي من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب وينهى عن التشبه بهم. روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» وأنه قال: «ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لأهل الكتاب،» وأنه قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». ومثل هذا كثير.

.مسألة ما جاء في أمة النبي عليه السلام:

قال مالك: كان عيسى ابن مريم يقول: أمة محمد حكماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء. قال مالك على إثر ذلك: إن كان عيسى ابن مريم قاله ما أراهم إلا صدر هذه الأمة.
قال محمد بن رشد: إخبار عيسى ابن مريم هذا من زمانه لا يصح أن يكون إلا بوحي من الله عز وجل، وذلك ثناء منه عز وجل عليهم بذلك، وقد أثنى عليهم في غير ما آية من كتابه، فقال عز وجل: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29]. الآية. فقوله عز وجل: {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ} [الفتح: 29] إلى آخر الآية يشهد بصحة قول عيسى ابن مريم المذكور فيهم. وقال عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110].

.مسألة صفة مسجد النبي عليه السلام وحنين الجذع إليه:

في صفة مسجد النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وحنين الجذع إليه قال مالك: قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مسجدي على عريش كعريش موسى». «وكان يخطب على جذع حتى عمل له هذا المنبر من طرفاء الغابة، فلما خطب عليه وفقده الجذع حن فنزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع يده عليه فسكن».
قال محمد بن رشد: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مسجدي على عريش يريد أن سقفه بالجرائد فوق الجذوع بغير طين أو بقليل من الطين، فكان إذا كان المطر يكف أي يهطل في المسجد على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «وقد أريت هذه الليلة- يريد ليلة القدر- فأنسيتها ولقد رأيتني أسجد في صبحها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان».
وحنين الجذع الذي كان يخطب إليه إذ صنع له المنبر يخطب عليه معلوم، رواه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبي بن كعب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وجماعة سواهم من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طرق كثيرة بمعان متفقة وألفاظ متفارقة، في بعضها «أنه خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد منه جزعا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنزل إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه سكت، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة». وفي بعضها «أنه جأر أو خار حتى تصدع وانشق فأمر نبي الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فدفن تحت المنبر» على ما روي. وقد روي أن أبي بن كعب أخذه لما غير المسجد وهدم فكان عنده في بيته حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا. وهذا علم جليل من أعلام النبوة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي أكثر من أن تحصى.

.مسألة كلام الإمام في الخطبة:

في كلام الإمام في الخطبة قال: وقد كان بعض الأمراء يرسل ليلة الجمعة هل أتكلم مع الخطبة بشيء؟ فقيل له: فماذا قلت؟ قال: قلت نعم إذا كان من الأمر الذي يأمر به وينهى عنه يريد بذلك وجه الحق، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب تكلم مع خطبته بكلام.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن للإمام أن يتكلم يوم الجمعة وهو على المنبر بغير الخطبة ولا يكون بذلك لاغيا. قال فيها: وكذلك لا يكون لاغيا من رد على الإمام إذا كلمه وهو يخطب، وهو أمر لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب. والحجة في إجازة ذلك ما يروى عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن بشير قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجلس فقد آذيت وآنيت».
قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام. وما روي عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر فقعد قبل أن يصلي فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أركعت ركعتين قال: لا قال: قم فاركعهما». وهذا نص في جواز تكلم الإمام على المنبر يوم الجمعة بغير الخطبة، وفي جواز الرد عليه لمن كلمه. وتأول أصحابنا أنه إنما أمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالركعتين في ذلك الوقت ليري الناس حاجته فيتصدقون عليه، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري «أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر فناداه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما زال يقول: ادن حتى دنا فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلق ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فأمره بمثل ذلك وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للناس تصدقوا، فألقوا الثياب فأمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذ ثوبين الحديث.» وذهب أهل العراق أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم في خطبته لغير الخطبة ولا لأحد ممن كلمه أن يرد عليه، وقال يحتمل أن يكون ما جاء في هذه الآثار كان الكلام حينئذ في الخطبة مباحا كما كان في الصلاة، ثم نسخ بنسخه في الصلاة؛ ويحتمل أيضا أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع خطبته ليعلم الناس كيف يفعلون إذا جاءوا إلى المسجد ثم استأنفها، لا أنه تكلم فيها ثم تمادى عليها، وهو بعيد. والله أعلم وبه التوفيق. وقد مضى هذا في أول سماع أشهب من كتاب الصلاة.

.مسألة ما جاء في أبي عبيدة بن الجراح:

قال وسمعت مالكا يقول: «أتى أهل نجران إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلموا وقالوا: يا رسول الله لو بعثت معنا من يفقهنا ويعلمنا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا أبعث معكم القوي الأمين فتطاول أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل رجل يرجو أن يكون هو وأحبوا ذلك، فبعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة بن الجراح معهم».
قال محمد بن رشد: أبو عبيدة بن الجراح من كبار الصحابة وفضلائهم وأهل السابقة منهم، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة. وقال أبو بكر الصديق يوم السقيفة: رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر أو أبا عبيدة. وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها:
أنت أخي حقا لم تغيرك الدنيا. ويروى أنه قال: كلنا غيرته الدنيا غيرك يا أبا عبيدة. وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». والمعنى في هذا أنه في أرفع مراتب الأمانة، ولا أحد أرفع مرتبة منه فيها، ولا يمتنع أن يكون غيره من الصحابة في مرتبته من الأمانة. وهذا مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي ذر: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر،» لأن المعنى في ذلك أنه في أعلى مراتب الصدق، فلا ينتفي أن يكون في أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هو في الصدق مثله، وإنما ينتفي أن يكون غيره أعلى مرتبة منه في الصدق. وبالله التوفيق.

.مسألة الحكم في البعير الضال:

في الحكم في البعير الضال قال مالك: أرسل الحسن بن زيد يسألني عن رجل أصاب ثلاثة أبعرة ضالة فقال إنها قد أكلتني، فاستشارني فيها، فأمرته أن يأمره أن يرسلها حيث أصابها.
قال محمد بن رشد: ثبت «عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال في ضالة الإبل: ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتكل الشجر حتى يلقاها ربها». والاختيار فيها أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت، جاء ذلك عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأخذ به مالك في أحد قوليه، وهو قوله في هذه الرواية وفي المدونة وفي رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب اللقطة؛ وقيل إنها تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت وأيس منه تصدق به عنه، جاء ذلك عن عثمان بن عفان، وروي ذلك عن مالك أيضا قال: من وجد بعيرا ضالة فليأت به الإمام يبيعه ويجعل ثمنه في بيت المال، يريد بعد أن يعرفه. قال أشهب في مدونته: وإن كان الإمام غير عدل فليتركه حيث وجده. وإنما اختلف الحكم في ذلك بين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لاختلاف الأزمان لفساد الناس، فكان الحكم فيها في زمن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وخلافة عمر بن الخطاب أن لا تؤخذ، فإن أخذت عرفت، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت؛ ثم كان الحكم فيها في زمن عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لما ظهر من فساد الناس أن تؤخذ وتعرف فإن لم تعرف بيعت ووقفت أثمانها. وكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيه اليوم إن كان الإمام عدلا، وإن كان الإمام غير عدل يخشى عليها إن أخذت لتعرف تركت ولم تؤخذ.
وإن كان إنما يخشى على ثمنها إن بيعت أخذت فعرفت فإن لم تعرف ردت حيث وجدت. وقد مضى هذا كله بزيادة عليه في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الأقضية. وبالله التوفيق.